22 Oct 2008
سورة النَّازِعات
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ
{وَالنَّازِعَاتِ
غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3)
فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ
تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ
يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا
لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً
(11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ
زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (14)}
المتن : سورةُ النَّازِعات 2- قوله تعالى: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} ويقسمُ بالملائكةِ التي تَسُلُّ روحَ المؤمنِ من جسدِه بخفَّة وسهولةٍ(2). الحاشية : 2-الموتُ ينزع النفوس، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح. وعليه فهي من قَبيل المتواطئ، غير أن الراجحَ من أقوال المفسرين، أن النازعات وما بعدها من الأوصافِ هي للملائكة، وعلةُ ذلك أن المفسِّرين أجمعوا على أن المدبِّرات هي الملائكة، ودلَّت الفاء في قوله تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} [النازعات:5] على أنها متفرِّعة عن جملة: {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً} [النازعات: 4]، وهذه الجملة متفرِّعةٌ عن جملة: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً} [النازعات: 3]. 1-الملائكة، وهو قول ابن عباس من رواية العوفي، وهو الراجح كما سبق في النازعات. أما ابن عباس فقد ورد بالسند نفسه في تفسير النازعات، وجعله تحت قول من قال هي الملائكة، مع أن عبارته مجملة كذلك، حيث قال: (النازعات) حين تنزع نفسه، (والناشطات) حين تنشط نفسه، وهذا مشكل، والله أعلم. (9)الضمير
في ظاهر الكلام يعودُ إلى القلوب، والمرادُ أصحاب القلوب، فعبَّر عنهم
بجزء منهم، وهي القلوب، التي هي محلُّ الخوفِ والإذعان، ثم يظهر بعد ذلك على الأبصار، والله أعلم.
1-قولُه تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً} يُقسِمُ
ربُّنَا بالملائكةِ التي تجذبُ أرواحَ الكفَّارِ من أجسادِهم عند الموت
جذباً شديداً، كما يَشُدُّ الرامي بالقَوسِ السَّهْمَ إلى آخرِ مداه(1).
3-قولُه تعالى: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً} ويقسمُ بالملائكة التي تجوبُ آفاقَ السماء، وتنزِلُ إلى الأرضِ بأمر الله(3).
4- قولُه تعالى: {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً} عَطَفَ السابقات على السابحاتِ بالفاء، ومعنى ذلك: أنَّ السابقات من جنس السابحات، وهي الملائكة التي يسبِقُ بعضُها بعضاً في تدبير أمر الله تعالى(4).
5-قولُه تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}أجمع المفسِّرون على أنها الملائكة التي تنفِّذُ ما أمر الله به من قضائه(5)؛ كالملائكة الموكَّلون بأعمال العباد، والموكَّلون بالنار، والموكَّلون بالجنة، وغيرهم.
وجوابُ هذه الأقسام محذوف(6) ، ولما كان موضوع السورة في البعث، جاز تقديرُ الجواب بـ(لَتُبْعَثُنَّ)، ويكون المعنى: والنازعات لتبعثنَّ، وهكذا.
6- 7-قولُه تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} أي لتبعثُنَّ يوم تهتزُّ وتضطربُ الأرضُ بسبب النفخة الأولى التي تتبعُها النفخةُ الثانية(7).
8-قولُه تعالى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} أي: قلوبُ خلقٍ من خلقه يوم تقعَ هذه الأحداثُ، خائفة(8).
9-قولُه تعالى: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} أي: أبصارُ أصحابها ذليلة مما قد نزلَ بها من الخوفِ والرُّعب(9).
10-قولُه تعالى: {يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} أي: يقول أصحاب هذه القلوب الذين أنكروا البعثَ في الدنيا: أنرجعُ إلى الحياة بعد أن نموت ونُدفَنَ تحت التراب؟(10).
11-قولُه تعالى: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} أي: كيف نرجِعُ إلى حالِنا الأوَّل، وقد تحلَّلت أجسامُنا وصِرنا عظاماً باليةً فارغة(11).
12-قولُه تعالى: {قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} أي: إنَّ الرجعةَ إلى الحياةِ بعد المماتِ رجعةٌ لا خيرَ فيها، بل فيها غَبْنٌ لهم(12).
13-قولُه تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} أي: إنَّ الأمرَ لا يحتاجُ إلى كبير عناءٍ، بل هي صيحةٌ واحدةٌ لا ثانيةَ لها ينفُخُها إسرافيلُ في الصُّور، فيقومونَ من قبورهم أحياء(13).
14-قولُه تعالى: {فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} أي: بعد أن يسمَعوا الصَّيحةَ فإنهم سُرعانَ ما سيكونونَ على الأرض(14).
(1)وقع خلاف في تفسير النَّازعات بين مفسِّري السلف على أقوال:
3-النجومُ تنزِعُ من أُفُقٍ إلى أُفُق، وهو قول الحسن من طريق أبي العوام، وقتادة من طريق معمر.
4-القِسِيُّ تنزع بالسهم، وهو قول عطاء.
5-النفس حين تُنزع، وهو قول السُّدِّي من طريق سفيان.
وإذا تأملتَ هذه الأقوال، فإنك ستجدها جاءت على دلالة اسم الفاعل؛ أي أنها نازِعة، عدا قول السدي الذي حمل اسم الفاعل على المفعول، وفيه نظر.
كما أنها جعلت فعل النازعات من قبيل المتعدِّي؛كقوله تعالى: {تَنْزَعُ النَّاسَ} سوى قول من قال هي النجوم، فالفعل عنده لازمٌ لا يحتاج إلى مفعول.
وجاء اسم الفاعل، ولم يذكر مفعوله؛ لأن النزع هو المقصود في المقام، كما جاء جمعاً لتأويله بالجماعات النازعات.
وهذا من اختلاف التنوع الذي يرجع إلى أكثر من معنى.
وسببُ هذا الخلاف:
وتفريقُ الأوصاف على أجناسٍ مختلفة، مع هذا التأويل غير متمكن، ولا دليل عليه، والله أعلم. (انظر: (التبيان في أقسام القرآن): 85).
(2)اختلف السلف في الناشطات على أقوال:
2-الموت، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح.
3-أنها النجوم تنشط من أفق إلى أفق، وهو قول قتادة من طريق معمر.
4-أنها الأَوْهاق، وهي الحبل يُرمى في أُنشوطة، فتؤخذ به الدابة أو الإنسان، وهو قول عطاء.
(3)السبح يطلق على العوم في الماء والمرور في السماء؛ كما قال تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33]
وقد اختلف السلف في المراد بالسابحات على أقوال:
1-الملائكة، وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح. وقد ذكر ابن كثير أنه قول ابن مسعود، وروي عن علي ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح.
2-أنها الموتُ يسبحُ في جسد الإنسان، وهو قول مجاهدٍ
أيضاً، وقد اختُلف عليه، ويظهر أن هذا القول هو اختياره؛ لأنه مرَّ
بالأسانيد نفسها في تفسير النازعات والناشطات أنها الموت، وكون هذا أشبه
بما قبله عنده أظهر من كونه قال بغيره ما دام قد ورد عنه، والله أعلم.
وقد علَّق أبو جعفر الطبري على هاتين الروايتين بقوله: (هكذا وجدته في كتابي) وهذا يدل على استشكاله في الرواية التي عنده عن مجاهد، والله أعلم.
3-أنها النجومُ تسبحُ في فَلَكِها، وهو قول قتادة من طريق معمر وسعيد.
4-أنها السفنُ تسبحُ في الماء، وهو قول عطاء.
(4)وقع في السابقات اختلاف بين السلف على أقوال:
1-الملائكة، وهو قول مجاهد، قال ابن كثير: (ورُوي عن علي ومسروق ومجاهد وأبي صالح والحسن البصري).
2-الموتُ، وهو قولُ مجاهد.
(انظر التعليق السابق في السابحات على قولي مجاهد).
3-الخيلُ، وهو قول عطاء.
4-النجوم، وهو قول قتادة من رواية معمر وسعيد.
(5)الغريب أن قولَ قتادة في هذه الآية أنها الملائكة، مع أن قوله في ما سبقَ من الأوصاف أنها النجوم، ولم يذكر ابن جرير غير قول قتادة، فلم يرِد عنده فيها خلاف في هذه الآية، كما وقع في سابقاتها، وقد حكى الإجماعَ السمعانِي في تفسيره، وابن القيم في ( (التِّبيان في أقسام القرآن): 86) وقال ابن عطية: (وأما المدبِّرات فلا أحفظ فيها خلافاً) وقال ابن كثير: (… هي الملائكة …. ولم يختلفوا في هذا).
(6)انظر: ( (تفسير الطبري) ط: الحلبي: 30: 32، و(التبيان في أقسام القرآن): 87).
(7)عبَّر جمهور السلف عنالراجفة بأنها النفخة الأولى، والرادِفة: النفخة الثانية، ورد ذلك عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة والعوفي، وعن الحسن من طريق أبي رجاء، وعن قتادة من طريق سعيد، وعن الضحَّاك من طريق عبيد المكتب.
وعبَّر مجاهد وابن زيد عن الراجفة بأنها الأرض ترجف، وهذا غير مخالف للأول؛ لأنها ترجف بسبب النفخة، كما في القول الأول، وجعل مجاهد وقت الرادفة مقروناً بانشقاق السماء، فقال: (هو قوله: {إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] فدُكَّتا دكَّة واحدة) أي: الرادفة: هي دكُّ الأرضِ بالجبال.
وهذا خلاف لما عليه أهل القول الأول، وهم الجمهور، إلا أن يقال إن هذا يكون بعد النفخة الثانية فيلتئِم قوله مع قولهم، والله أعلم.
أما ابن زيدفعبَّر عن الرادفة بالساعة، وهذا غير مخالف، لأن الساعةَ لا تقومُ إلا بالنفخة الثانية، والله أعلم.
(8)هذا من عبارة الطبري في تفسير هذه الآية، وكذا ورد تفسير (واجفة) عن السلف: ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، والعوفي، وقتادة من طريق سعيد ومعمر، وابن زيد.
والحافرة عند العرب:
رجوع
المرء من الطريق الذي أتى منه، يقولون: رجع فلان إلى حافرته؛ أي: إلى طريقه
الذي جاء منه؛ كأنه يتبع حفر قدميه في الأرض في حال رجوعه، ومنه قول الشاعر:
أحافِرةٌعلى صَلَع وشيبٍ = معاذَ الله من سَفَهٍ وطيشِ
سورة النازعات -يحتملُ أنَّ المقسمَ عليه، الجزاءُ والبعثُ، بدليلِ الإتيانِ بأحوالِ القيامةِ بعدَ ذلكَ. {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} وهمْ الملائكةُ أيضاً، تجتَذبُ الأرواحَ بقوةٍ ونشاطٍ، أو أنَّ النزعَ يكونُ لأرواحِ المؤمنينَ، والنشطَ لأرواحِ الكفارِ.
{وَالسَّابِحَاتِ}أي: المتردداتِ في الهواءِ صعوداً ونزولاً {سَبْحاً}{فَالسَّابِقَاتِ} لغيرهَا {سَبْقاً} فتبادرُ لأمرِ اللهِ، وتسبقُ الشياطينَ في إيصالِ الوحيِ إلى رسلِ اللهِ حتى لا تسترقَهُ.
{فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}الملائكةُ
الذينَ وكَّلهم اللهُ أن يدبروا كثيراً منْ أمور العالمِ العلويِّ
والسفليِّ، منَ الأمطارِ، والنباتِ، والأشجارِ، والرياحِ، والبحارِ، والأجنحةِ، والحيواناتِ، والجنةِ، والنارِ وغيرِ ذلكَ.
{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ}وهيَ قيامُ الساعةِ.
{تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} أي: الرجفةُ الأخرى التي تردفهَا وتأتي تِلوَها.
{قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } أي: موجفةٌ ومنزعجةٌ من شدَّةِ ما ترى وتسمعُ.
{أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} أي: ذليلةٌ حقيرةٌ، قد ملكَ قلوبهَم الخوفُ، وأذهلَ أفئدتهَمُ الفزعُ، وغلَبَ عليهمُ التأسفُ [واستولتْ عليهمُ] الحسرةُ.
{يَقُولُونَ}
أي: الكفارُ في الدنيا، على وجهِ التكذيبِ {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} أي: باليةً فُتاتاً.
{قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} أي: استبعدوا أنْ يبعثَهمُ اللهُ ويعيدَهمْ بعدمَا كانوا عظاماً نخرةً، جهلاً [منهم] بقدرةِ اللهِ، وتجرُّؤَاً عليهِ.
قالَ اللهُ في بياِن سهولةِ هذَا الأمرِ عليهِ: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} يُنفخُ فيهَا في الصورِ، فإذَا الخلائقُ كلُّهمْ {بِالسَّاهِرَةِ} أي: على وجهِ الأرضِ، قيامٌ ينظرونَ، فيجمعهمُ اللهُ ويقضي بينهمْ بحكمِه العدلِ ويجازيهم.
هذهِ الإقساماتُ بالملائكةِ الكرامِ، وأفعالِهمْ الدالةُ على كمالِ انقيادهمْ لأمرِ اللهِ وإسراعِهمْ في تنفيذِ أمرهِ:
سُورَةُ النَّازِعَاتِ
وَتُسَمَّى سُورَةَ السَّاهِرَةِ.
1- {وَالنَّازِعَاتِ}
أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بالملائكةِ الَّتِي تَنْزِعُ أرواحَ الْعِبَادِ عَنْ
أجسادِهِم كَمَا يَنْزِعُ النازِعُ فِي القَوْسِ فَيَبْلُغُ بِهَا غايةَ
المَدِّ، {غَرْقاً}؛ أَيْ: إِغْرَاقاً فِي النَّزْعِ حَيْثُ تَنْزِعُهَا مِنْ أَقَاصِي الأجسادِ.
2- {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً}؛
أَيْ: تَنْشِطُ النُّفُوسَ؛أَيْ: تُخْرِجُهَا من الأجسادِ جَذْباً
بِقُوَّةٍ، والنَّشْطُ: الجَذْبُ بِسُرْعَةٍ، وَقِيلَ: النَّاشِطَاتُ
لأرواحِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالنَّازِعَاتُ لأَرْوَاحِ الْكَافِرِينَ.
3- {وَالسَّابِحَاتِ}:الْمَلائِكَةُ يَنْزِلُونَ مِن السَّمَاءِ مُسْرِعِينَ لأمرِ اللَّهِ.
4- {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً}:هِيَ الْمَلائِكَةُ تَسْبِقُ بِأَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْجَنَّةِ.
5- {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}
تَدْبِيرُ الْمَلائِكَةِ للأمْرِ: نُزُولُهَا بالحلالِ والحرامِ
وَتَفْصِيلِهِمَا، وَبِتَدْبِيرِ أَهْلِ الأَرْضِ فِي الرياحِ والأمطارِ
وَغَيْرِ ذَلِكَ، قِيلَ: وَتَدْبِيرُ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَى أَرْبَعَةٍ
مِنَ الْمَلائِكَةِ: جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وعَزْرَائِيلَ،
وَإِسْرَافِيلَ.فَأَمَّا جِبْرِيلُ فَمُوَكَّلٌ بالرِّياحِ والجنودِ،
وَأَمَّا مِيكَائِيلُ فَمُوَكَّلٌ بالقَطْرِ والنباتِ، وَأَمَّا
عَزْرَائِيلُ فَمُوَكَّلٌ بِقَبْضِ الأَنْفُسِ، وَأَمَّا إِسْرافيلُ فَهُوَ
يَنْزِلُ بالأَمْرِ عَلَيْهِمْ.
6- {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ}:وَهِيَ النَّفْخَةُ الأُولَى الَّتِي يَمُوتُ بِهَا جَمِيعُ الخلائقِ.
7- {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} الرَّادِفَةُ: النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي يَكُونُ عِنْدَهَا الْبَعْثُ.
8- {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} وَالوَاجِفَةُ: المُضْطَرِبَةُ القَلِقَةُ؛ لِمَا عَايَنَتْ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ قَلِقَةٌ مُسْتَوْفِزَةٌ.
9- {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ}:تَظْهَرُ
فِي أَعْيُنِهِمُ الذِّلَّةُ وَالْخُضُوعُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ أهوالِ
يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يُرِيدُ أَبْصَارَ مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ
الإِسْلامِ.
10- {يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}.هَذَا
يَقُولُهُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ إِذَا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ
تُبْعَثُونَ.أَيْ: أَنُرَدُّ إِلَى أَوَّلِ حَالِنَا وَابْتِدَاءِ
أَمْرِنَا، فَنَصِيرَ أَحْيَاءً بَعْدَ مَوْتِنَا، وَبَعْدَ كَوْنِنَا فِي
حُفَرِ الْقُبُورِ؟!
11- {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً}؛ أَيْ: أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً بَالِيَةً نُرَدُّ وَنُبْعَثُ مَعَ كَوْنِهَا أَبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَاةِ؟
12- {قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ}؛ أَيْ: إِنْ رُدِدْنَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَنَخْسَرَنَّ بِمَا يُصِيبُنَا مِمَّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ.
13- {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ}
الْمَعْنَى: لا تَسْتَبْعِدُوا ذَلِكَ؛ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ
وَاحِدَةٌ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي يَكُونُ الْبَعْثُ
بِهَا.
14- {فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} قِيلَ: السَّاهِرَةُ: أَرْضٌ بَيْضَاءُ يَأْتِي بِهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، فَيُحَاسِبُ عَلَيْهَا الخلائقَ.
القارئ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{وَالنَّازِعَاتِ
غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3)
فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ
تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ
يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا
لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً
(11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ
زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
في هذه السورة -سورة النازعات- أقسم الله -جل وعلا- بملائكته، كل ملك بالصفة التي يختص بها، فأقسم الله -جل وعلا- بالنازعات غرقاً، {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً}
هم: الملائكة الذين يخرجون أرواح الكفار بشدة، ويغرقون في أجسادهم
لإخراجها؛ لأن الكافر إذا جاءه الموت وبشر بعذاب الله -جل وعلا- تفرقت روحه
في جسده؛ كما صح ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث البراء بن عازب، فإذا تفرقت هذه الروح في الجسد، غاصت عليها الملائكة لتخرجها من أقاصي جسده، وتخرج هذه الروح بقوةٍ وعنفٍ، ولهذا ثبت في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- ((أنها تُخرج كما يخرج السفود منالصوف المبلول))والسفود: هو الحديدة التي يشوى عليها.
وقوله -جل وعلا-: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} هؤلاء
هم: الملائكة الذين ينشَطُون أرواح المؤمنين نشطاً، فيخرجونها بسرعة وخفة،
وهذا كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث البراء أن المؤمن إذا كان في السياق، وبُشر برحمة الله ورضوانه، وقيل لروحه: ((يا أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوانٍ وروحٍ وريحانٍ وربٍ غير غضبانٍ فإنها تسيل كما يسيل القطر من في السقاء)) يعني: تخرج بخفةٍ وراحةٍ على المؤمن، وقد جاء في كتاب الله -جل وعلا- ما يدل على أن الملائكة هم الذين يقبضون أرواح بني آدم: -وفي سورة السجدة:{قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}.
-وقال -جل وعلا-: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ}.
وأخبر -جل وعلا- في آياتٍ أخرى عن إخراج الملائكة لأرواح الكفار وتعذيبهم بذلك:
-كما قال الله -جل وعلا- في سورة الأنعام: {وَلَوْ
تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ
بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ
عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ
وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ}.
-وقال -جل وعلا- في سورة الأنفال: {وَلَوْ
تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ
وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}.
وأما حال الملائكة مع المؤمنين حالَ خروج أرواحهم؛ فكما قال الله تعالى في سورة فصلت: {إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ
عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا
بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي
أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}
-فهي تبشرهم بما أمامهم، وإذا بشرتهم بما أمامهم أحبوا لقاء الله -جل وعلا- فأحب الله لقاءهم كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
-ثم تطمئنهم الملائكة: {أَلا تَخَافُوا}
يعني: مما أمامكم؛ لأن الله -جل وعلا- قد قضى للمؤمنين بالأمن يوم القيامة: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} وقال -جل وعلا-: {إِنَّ
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ
يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}.
-وكذلك تطمئنهم الملائكة ألا يحزنوا على ما تركوه وراءهم؛لأن ما أمامهم عند الله -جل وعلا- من النعيم خير من ذلك، وقوله: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} يعني: أن الله -جل وعلا- يجعل الملائكة أولياءً للمؤمنين في الدنيا يسددونهم ويهدونهم إلى طرق الخير.
وفي الآخرة: يهدونهم إلى جنات النعيم كما قال الله -جل وعلا-: {إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ
بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ
النَّعِيمِ (9) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ
فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ}. قال -جل وعلا-: {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً} أي: أن الملائكة قد سبقوا إلى الطاعة والإيمان، وهم أيضاً يسرعون ويسابقون إلى طاعة الله تعالى وامتثال أمره، كما قال الله -جل وعلا- في سورة الأنبياء: {بَلْ
عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ
يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا
يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}.
وهذا ردٌ على المشركين الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا:
{اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً}فقال سبحانه: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ...} إلى آخر الآيات. ثم قال -جل وعلا-: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} وهم
أيضاً الملائكة؛ لأنهم يدبرون الأمر من السماء إلى الأرض بإذن الله،
يدبرون أو يأتون من عند الله -جل وعلا- بآياته الشرعية إلى الأنبياء
والمرسلين، ويدبرون هذا الكون بما أمرهم الله -جل وعلا- به من آياته
الكونية، فكل ملك من هؤلاء الملائكة قد أوكل الله -جل وعلا- إليه أمراً،
وهذه الآية كما قال الله في سورة الذاريات: {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} يعني: أنها تنزل بأمر الله جل وعلا، وهذا الأمر مقسم على الملائكة: -منهم من هو موكلٌ بالقطر.
الشيخ:
ثم قال الله -جل وعلا-: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً} هؤلاء هم الملائكة أقسم الله -جل وعلا- بهم بصفة من صفاتهم، وهي: أنهم يسبحون بين السماء والأرض، ينقلون أمر الله -جل وعلا- إلى خلقه كما تسبح الطير في الهواء.
وقال -جل وعلا- مبيناً امتثالهم لأمره سبحانه وتعالى: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
-ومنهم من هو موكلٌ بالوحي إلى غير ذلك.
ومثله قول الله -جل وعلا- في سورة المرسلات:
{فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً (2) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً (3) عُذْراً أَوْ نُذْراً} يعني: أن هؤلاء الملائكة ينزلون بما يفرق بين الحق والباطل، وهو آيات الله -جل وعلا-: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً (3) عُذْراً أَوْ نُذْراً} يعني: أنها تنزل بأمر الله -جل وعلا- على المرسلين إعذاراً للناس وإنذاراً لهم.وقال -جل وعلا- في سورة القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} يعني: أن الملائكة تنزل ليلة القدر بكل أمرٍ سلامٌ من عند الله جل وعلا، في الليلة المباركة التي يقدِّر الله -جل وعلا- فيها آجال الخلق وأرزاقهم وأعمارهم وما يكون في العام، كما قال الله -جل وعلا- في أوائل سورة الدخان: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ}.
وهذا القسم الذي أقسم الله -جل وعلا- لم يذكر ربُّ العالمين ما أقسم عليه، فإنه -جل وعلا- إنما أقسم ولم يذكر المقسم عليه، والمقسم عليه محذوف لم يذكر ها هنا، وحذفه، يعني: حذف جواب القسم كثيرٌ في كتاب الله جل وعلا، وهذا جائزٌ في لغة العرب إذا دل الدليل على ذلك، وقد دل الدليل ها هنا على أن المقسم عليه هو: بعث العباد ونشرهم؛ لأن الله -جل وعلا- قال حكاية عنهم:{أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} فأقسم الله -جل وعلا- على البعث والنشور.وقد أقسم الله -جل وعلا- على بعث الخلق وجزائهم وحسابهم في آياتٍ كثيرة:
- كما قال الله -جل وعلا-: {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً} إلى قوله -جل وعلا-:{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ}.
- وقوله -جل وعلا-: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّمَةِ (2) أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ}.
- وكما قال تعالى في آخر الحجر: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}وكذلك في سورة الطور وفي سورة الذاريات وغيرها من السور كثير، أقسم الله -جل وعلا- على بعث الخلق.
وأمر الله -جل وعلا- في آياتٍ أخرى، وهي ثلاث آياتٍ ليس في القرآن غيرها أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقسم على تحقق البعث والنشور:
- قال الله -جل وعلا- في سورة التغابن:{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}.
- وقال -جل وعلا- في سورةيونس: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ} يعني: البعث، قال الله -جل وعلا-: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ}.
- وفي أول سورة سبأ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ}.
فهذه ثلاث آيات أمر الله -جل وعلا- فيها نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقسم على البعث والنشور، والله -جل وعلا- قد أقسم على هذا البعث والنشور كما تقدم.
ثم قال -جل وعلا-: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} هذا بيانٌ للحال التي تكون آخر الدنيا من حصول النفختين: نفخة الصعق والفزع، يأمر الله -جل وعلا- إسرافيل فينفخ في الصور فيفزع من في السماوات والأرض ويصعقون إلا من شاء الله -جل وعلا- من الملائكة والشهداء، ثم يأمر -جل وعلا- إسرافيل بعد موت الخلائق بالنفخة الأولى أن ينفخ في الصور مرة أخرى للقيام لرب العالمين والبعث والنشور، فقوله -جل وعلا-: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} يعني بها: نفخة الفزع؛ لأن الرجف: هو الاضطراب الشديد، ولاريب أنه إذا نُفخ في الصور حصل للخلق وجلٌ واضطرابٌ وخوفٌ عظيمٌ؛ بل يحصل ذلك للسماوات والأرض والجبال، وكل الخلائق التي قدر الله -جل وعلا- أن تفزع من هذه النفخة.
وقوله -جل وعلا-: {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} يعني: تتبعها النفخة الأخرى وهي: نفخة الصعق، وسميت رادفة؛ لأنها تردف الأولى كما يقال: فلان رديف فلان، أو ردف فلان يعني: أنه يتبعه، ويقال: ترادف الأمر بمعنى: تتابع.
فهاتان النفختان تكون الثانية تابعةً للأولى وتاليةً لها، وقد سبق لنا في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن بينهما أربعون يوماً، أو أربعون شهراً، أو أربعون سنةً، سُئل أبو هريرة عن ذلك فلا يدري؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن بينهما أربعين، فلا يُدرى هل هي أربعون سنةً، أو أربعون شهراً، أو أربعون يوماً؟ وكلها سواء كانت أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين سنةً، فإن هاتين النفختين كائنتان؛ كما أخبر الله -جل وعلا- بذلك.
وهاتان النفختان أخبر الله -جل وعلا- عنهم في مواضع من كتابه:
-كما قال الله -جل وعلا- في سورة يس:{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} يعني: وهم يختصمون ويتشاجرون في أسواقهم {فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وهذا في النفخة الأولى.
ثم قال -جل وعلا- في النفخة الثانية:
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ}.
-وقال -جل وعلا- عن هاتين النفختين في سورة الزمر: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}.
ثم قال -جل وعلا-: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} يعني: أن القلوب يصيبها الخوف والهلع والقلق من شدة ما ترى من أهوال يوم القيامة، ولهذا من شدة هذه الأهوال تبلغ القلوب الحناجر فلا تخرج ولا تدخل، ولايستطيع أهلها أن يتكلموا كما قال الله -جل وعلا-: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} وقوله: (كاظمين) يعني: أنهم مكروبون ممتلئون خوفاً وهما وحزناً؛ ونتيجة ذلك: أنهم لا يستطيعون الكلام.
ثم قال -جل وعلا-:{أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} يعني: أن أبصار أهل هذه القلوب خاشعة، يعني: ذليلةً حقيرةً، وهذه أبصار الذين كفروا بالله جل وعلا، وكفروا بالبعث والنشور، لأن هذه الآية أو سياق هذه الآيات وارد في شأنهم:
-كما قال الله -جل وعلا- في سورة القمر: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ} يعني: إلى شيء منكر فظيع {خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ}.
-وقال -جل وعلا- في آخر المعارج: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} يعني: إلى علم أو إلى غاية يسرعون إليها {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}.
-وقال -جل وعلا- في سورة إبراهيم: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} يعني: مسرعين رافعي رؤوسهم {لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} يعني: لا ترجع إليهم أبصارهم؛ {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} يعني: قلوبهم في فزعٍ ووجلٍ وخوفٍ شديدٍ؛ كما في الآية الأخرى: {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ}.
ثم قال -جل وعلا-: {يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} يعني: أن الكفار ينكرون البعث والنشور، ويستبعدون وقوعه، وقوله في هذه الآية: {أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} فسَّرها بعض العلماء بأنها:الحفرة وهي القبر، ومعنى الآية: أإنا لمردودون في قبورنا أحياء بعد موتنا.
وقال بعض العلماء: إن قوله تعالى: {الْحَافِرَةِ} المراد بذلك: أول الأمر وابتداؤه، يعني: أإنا لمردودون إلى أول أمرنا، وهي الحياة الأولى، وهذا أيضاً إنكارٌ للبعث؛ كما قال تعالى: {وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً}.
وعلى كلا التفسيرين فهم ينكرون البعث والنشور،وهذا الإنكار منهم على سبيل الاستبعاد والسخرية والاستهزاء؛ كما بين الله -جل وعلا- ذلك في آياتٍ كثيرة؛ كما في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} يعني: إذا تمزقتم في قبوركم وذهبتم أشلاء أإنكم لفي خلق جديد، يعني: مبعوثون خلقاً جديداً {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} يعني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إما أن يكون كاذباً على الله جل وعلا، وإما أن يكون به جنون، قال الله -جل وعلا- رداً عليهم: {بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ}، وقال -جل وعلا- في سورة (المؤمنون) حكايةً عنهم أنهم قالوا: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} وقد تقدمت هذه الآيات ونظائرها في تفسير سورة النبأ.
وقوله -جل وعلا: {أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً} يعني: إذا كنا عظاماً باليةً يدخل فيها الهواء كما قال ذلك ابن عباس رضي الله عنه.
{أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} يعني: أنا إن رُجعنا إلى الحياة مرة أخرى وبعثنا إنا لنحن الخاسرون، وتكون تلك الرجعة التي رجعناها خسارة علينا؛ لأننا نكون حينئذ قد كذبنا بما يجب التصديق به، وقد أخبر الله -جل وعلا- عنهم أنهم قد تحققت لهم الخسارة بتكذيبهم بلقاء الله -جل وعلا- سواء منهم من مات ومن كان حياً يكذب بلقاء الله، فالخسارة متحققةٌ له لا ريب في ذلك إن مات عليه، قال الله -جل وعلا- مبيناً تحقق هذه الخسارة: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} وقال -جل وعلا- في سورة يونس: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}.
ثم قال -جل وعلا-:{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} أي: ليس الحال والأمر إلا أن تكون زجرةً واحدةً، وهي: النفخ في الصور للبعث يكون مرةً واحدةً وليس مرتين ولا أكثر من ذلك، وإنما هو مرةٌ واحدةٌ.
{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ}أي: إذا هم على وجه الأرض مبعوثون لرب العالمين.
وقال بعض العلماء: إنها سميت بالساهرة؛ لأن النوم والسهر إنما يكون عليها، والله -جل وعلا- أعلم.
ولكن المراد بالساهرة هاهنا:هي الأرض التي يبعث الله -جل وعلا- العباد عليها.
تفسير سورة النازعات تفسير قول الله تعالى : ( والنازعات غرقاً ) الأدلة الدالة على قبض الملائكة لأرواح بني آدم
تفسير قول الله تعالى : ( والناشطات نشطاً )
أقوال السلف في معنى (الناشطات)
حال الملائكة مع المؤمنين عند خروج أرواح المؤمنين
تفسير قول الله تعالى : ( والسابحات سبحاً )
أقوال السلف في معنى (السابحات)
تفسير قول الله تعالى : ( فالسابقات سبقاً )
أقوال السلف في معنى (السابقات)
تفسير قول الله تعالى : ( فالمدبرات أمراً )
حكاية الإجماع على تفسير (المدبرات) بالملائكة
شرف الملائكة بتكرار إقسام الله تعالى بهم
تفسير قول الله تعالى : ( يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة )
الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي النفخة الثانية
قول مجاهد في سبب تسمية النفخة الأولى بالراجفة
ذكر بعض الآيات الدالة على النفختين
تفسير قول الله تعالى : ( قلوب يومئذٍ واجفة ، أبصارها خاشعة )
تفسير قول الله تعالى : ( يقولون أإنا لمردودون في الحافرة ، أإذا كنا عظاماً نخرة ، قالوا تلك إذاً كرة خاسرة)
أقوال السلف في معنى (الحافرة)
أقوال متقاربة للسلف في تفسير قوله تعالى : ( عظاماً نخرة )
القراءات في قوله تعالى : ( نخرة )
تفسير قول الله تعالى : ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة )
أقوال السلف في معنى (الساهرة)
الأسئلة
س1: اختلف المفسرون في المراد بالنازعات، والناشطات، والسابحات، والسابقات، في هذه الآيات، اذكر أقوالهم مع الترجيح.
س2: اذكر تفسيراً إجمالياً لصدر هذه السورة في ضوء القول الراجح.
س3: تحدث عن شرف الملائكة.
س4:
يكرر الله عز وجل في القرآن الكريم الحديث عن الملائكة وأوصافهم بأساليب
بلاغية عظيمة، مع أنهم عالم غيببي، بين بعض أوجه الحكمة في ذلك.
س5: تحدث عن الفوائد التربوية للإيمان بالملائكة.
س6: فسر بإيجاز قول الله تعالى: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}.
س7: ما هو جواب القسم في الآيات السابقات؟
س8: بين المراد بالراجفة، والرادفة.
س9: بين ما يفيده التنكير في قوله تعالى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ}.
س10: اذكر أقوال العلماء في المراد بالحافرة.
س11: اذكر القراءتين في قول الله تعالى: {عِظَاماً نَخِرَةً} وبين أثر الاختلاف على المعنى.
س12: اختلف العلماء في المراد بالساهرة على أقوال، اذكرها مع بيان القول الراجح.
س13: بين معاني المفردات التالية: غرْقاً، نشطاً، ترجف، واجفة، خاشعة، كَرَّةٌ، زجرةٌ.
تفسير ابن كثير